أحمد الشرباصي
186
موسوعة اخلاق القرآن
جاء في بعض الأحاديث أن الحلم من سنن المرسلين ، ولما كان سيدنا رسول اللّه محمد هو إمام النبيين وخاتم المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، كان من الطبيعي أن يوضع في يده زمان الإمامة الخلقية بين هؤلاء الكرام ، فلم يكن غريبا أن يوجهه ربه تعالى إلى قمة هذه الزعامة حين يقول له : « خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . ثم يمن عليه بما يسر له من أسباب هذه الزعامة الخلقية فيقول له : « فبما رحمة من اللّه لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك » . ولقد بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حلمه الغاية المثالية ، والدلائل على ذلك كثيرة وفيرة ، منها أن أعرابيا جاءه يوما يسأله شيئا من المعونة ، فأعطاه ، ثم قال له : هل أحسنت إليك يا أعرابي ؟ فاندفع الأعرابي بجهالة يقول : لا أحسنت ولا أجملت . فهمّ الصحابة يريدون البطش بالأعرابي ، فمنعهم الرسول ، وأخذ الأعرابيّ إلى بيته ، وزاده في العطاء ، ثم قال له : هل أحسنت إليك ؟ . قال الأعرابي : نعم ، فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا . فقال له النبي : إنك قلت ما قلت ، وفي نفس أصحابي شيء من ذلك ، فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك . قال : نعم . فلما كان الغداة - أو العشي - جاء الأعرابي فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه ، فزعم أنه رضي ، أكذلك ؟ . فقال الأعرابي : نعم فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا . فقال النبي : « إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه ، فتبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحب الناقة : خلّوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها وأعلم ، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض « 1 » فردها هونا هونا ، حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها ،
--> ( 1 ) أي من حشائشها .